Postفضاء الموظفمشاكل الموظف الجزائريمقالات مهمة

التحرش المعنوي في العمل: عندما تصبح كرامة الموظف هي الهدف

التحرش المعنوي في العمل: عندما تصبح كرامة الموظف هي الهدف

في خضم السعي اليومي وضغوط المهام، ينصبّ تركيز الغالبية على الإجهاد البدني أو المستوى المعيشي والمادي. غير أن هناك خطراً صامتاً يتسلل في الخفاء؛ لا يترك آثاراً أو كدمات على الجسد، لكنه ينخر بعمق في النفس والكرامة حتى يستنزف الروح من الداخل.
إنه التحرش المعنوي في العمل (Workplace Moral Harassment)، الظاهرة التي باتت تلقي بظلالها الثقيلة على مختلف بيئات العمل، ممثلةً مساساً صريحاً بكرامة العامل وتهديداً لسلامته النفسية ومساره المهني.

مفهوم التحرش المعنوي: عندما يتحول الأذى إلى نمط سلوكي

يُعرَّف التحرش المعنوي بأنه سلسلة ممتدة من التصرفات والممارسات العدائية أو الإقصائية التي تمس كرامة الأجير وتستهدف تقويض مكانته واستقراره الوظيفي. وعلى الرغم من أن جذور الظاهرة ترتبط بنشأة العمل المؤسسي نفسها، فإن تداعياتها الخطيرة لم تسلَّط عليها الأضواء الكافية إلا في السنوات الأخيرة بعد انتشارها في القطاعات الإدارية، التربوية، والاقتصادية.
معلومة هامة: يختلف التحرش المعنوي جوهرياً عن التحرش الجنسي؛ حيث يخلو تماماً من أي دافع جنسي، ليرتكز بالكامل على أفعال قهرية ونفسية ممنهجة.
من الناحية العلمية والسوسيولوجية، يشترط لتوصيف السلوك بأنه “تحرش معنوي” توافر عنصرين حاسمين:
  • التكرار: ممارسة الأذى بصورة دورية ومنتظمة (مرة واحدة أسبوعياً على الأقل).
  • الاستمرارية: تواصل هذه الممارسات لمدة زمنية لا تقل عادة عن ستة أشهر، مما يؤكد أنها ليست خلافاً عابراً بل استهدافاً ممنهجاً.

أبرز أشكال التحرش المعنوي في بيئة العمل

تتعدد الأساليب والأنماط التي يتخذها التحرش المعنوي ضد الموظف في الوسط المهني الجزائري:

1. التهميش والإقصاء الوظيفي («الخزانة الذهبية»)

من أكثر الأنماط رواجاً وتعقيداً؛ وفيه يُعزل الموظف داخل مكتبه دون تكليفه بأي مهام، مع تجريده الكامل من صلاحياته، وحث الزملاء على مقاطعته وتجنب الحديث معه. يتجلى هذا السلوك في بعض الإدارات العمومية؛ نظراً لأن الدولة هي المتكفلة بالأجور، مما يجعل الإقصاء وسيلة لتهميش الموظف وكسر شوكته دون فصله رسمياً.

2. التحويل والنقل التعسفي

يُمارَس هذا النمط غالباً كرد فعل انتقامي تجاه اعتراض العامل أو دفاعه عن حقوقه؛ إذ يُنقل إلى مهام لا تتناسب مع مؤهلاته، أو يُحوّل إلى فروع بعيدة جغرافياً خارج ولايته للضغط عليه ودفعه للاستقالة.

3. التعنيف اللفظي والانتقاد الممنهج

يشمل توجيه العبارات الجارحة، التحقير المستمر للمجهودات، الانتقاد المبالغ فيه، وإشعار العامل دوماً بأنه واقع تحت الهيمنة والسيطرة، ما يؤدي تدريجياً لتدمير ثقته بنفسه وبكفاءته.

4. إطلاق الشائعات وتشويه السمعة

نظراً لسرعة انتشار الشائعات، يلجأ بعض المتحرشين إلى تلفيق الأخبار والمساس بالأخلاقيات والذمة المهنية، بهدف عزل الضحية اجتماعياً وخلق بيئة من العداء والريبة حوله.

5. التحرش الرقمي (الإلكتروني)

أسلوب حديث فرضته التكنولوجيا والهواتف الذكية؛ ويتضمن إرسال رسائل التهديد، المساومة، أو تتبع الضحية رقمياً خارج أوقات العمل بطرق يصعب معها أحياناً إثبات هوية الفاعل.

أسباب الظاهرة: بين الطبيعة الفردية والخلل التنظيمي

لا ينشأ التحرش المعنوي من فراغ، بل هو نتاج تفاعل معقد بين عاملين أساسيين:
  • العوامل الشخصية والنفسية: ترتبط بسمات طرفي المعادلة؛ فمن جهة قد تتوفر في المعتدي نزعات السيطرة أو الاستقواء، بينما قد يُستهدف الموظف المسالم والملتزم الذي يرفض الانخراط في الصراعات الجانبية.
  • العوامل التنظيمية والإدارية: يزدهر التحرش في البيئات التي تعاني من ضعف قنوات الاتصال الداخلي، غياب الشفافية والعدالة في تقييم الأداء، والروتين الإداري القاتل وغياب آليات الردع المؤسسي.

التداعيات: دائرة الأذى الممتدة من الفرد إلى المجتمع

لا تقتصر آثار التحرش المعنوي على حدود المكتب، بل تمتد لتضرب عمق النسيج الاجتماعي والاقتصادي:

أولاً: على الصعيد الفردي (الضحية)

يمر الموظف بمراحل متتابعة تبدأ بالحيرة والتشوش والشك في قدراته، تليها محاولات مقاومة تستنزف طاقته النفسية، ليدخل بعدها في نوبات من القلق الحاد، العزلة، وصولاً إلى متلازمة الاحتراق النفسي والاكتئاب، الأمر الذي ينعكس سلباً على استقرار أسرته وعلاقاته الإنسانية.

ثانياً: على الصعيد المؤسسي والمجتمعي

يتسبب التحرش في تراجع الإنتاجية وكثرة الغيابات والشهادات المرضية، مما يُثقل كاهل صناديق الضمان الاجتماعي بميزانيات باهظة لعلاج الأمراض النفسية والعضوية الناجمة عن الإرهاق. كما يؤدي إلى خسارة المؤسسة لكفاءاتها المستقيلة وتحمل أعباء توظيف وتدريب بدلاء جدد.

نحو بيئات عمل تحفظ الكرامة وتعزز الإنتاج

إن استمرار التحرش المعنوي كظاهرة مسكوت عنها يحتم كسر حاجز الصمت، والعمل الجاد على دراستها ومحاصرتها قانونياً ونفسياً ومؤسساتياً.
إن توفير بيئة عمل آمنة، ترتكز على مبادئ العدالة والاحترام، ليس امتيازاً إضافياً أو رفاهية، بل هو الركيزة الأساسية لأي تنمية إدارية واقتصادية حقيقية؛ فالكرامة الإنسانية داخل فضاء العمل ليست محل تفاوض، والصحة النفسية هي الرصيد الأثمن الذي لا يجوز التنازل عنه تحت أي مبرر وظيفي.
أدوات وحاسبات مرجعية قد تهمك للعمال والموظفين:

المرجع المعتمد:
خنونة زكية، “التحرش المعنوي في العمل والمشكلات النفسية والاجتماعية الناجمة عنه”، مجلة سوسيولوجيا، المجلد 06، العدد 01، (2022)، ص ص 32–45.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى