مشاكل الموظف الجزائري

حل اللغز القانوني: من هو المخطئ في قضية “الطباخ وعمي رابح والمدير”؟

حل اللغز القانوني: من هو المخطئ في قضية “الطباخ وعمي رابح والمدير”؟

أثارت القصة التفاعلية التي نشرناها مؤخراً على صفحتنا عبر فيسبوك جدلاً واسعاً ونقاشاً حامياً بين الموظفين حول حدود الصلاحيات الإدارية وحقوق الموظف المرسّم. القضية التي بدأت بطلب “طباخ مرسّم” إعفاءه من مهمة “التسياق” انتهت بشجار، تهديد بالعزل، وترك للعمل.

القصة باختصار:

“عمي رابح” يخدم طباخ مرسّم، دخل للمكتب وحط تقرير مكتوب للمدير باش ينحيلو مهمة “التسياق” اللي كلفو بيها رئيس المصلحة “شفهياً”.

المدير رما التقرير في السلة وقالوا: “مكانش منها شفهياً.. اخرج كمل خدمتك وإلا نديرلك عزل بسبب إهمال المنصب!”

عمي رابح زعف بزاف، خبط الطابلة وقالوا: “ما تقدرش تعزلني أنا مرسّم لازم تجوزني على المجلس التأديبي!”.. ورفد دوزانو وخلا الخدمة وخرج!

في هذا المقال، سنفصل في القضية بالقانون وبناءً على مواد الأمر رقم 06-03 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية في الجزائر، وكذلك بالمرسوم التنفيذي رقم 08-05 مؤرخ في 19 يناير سنة 2008، يتضمن القانون الآساسي الخاص بالعمال المهنيين و سائقي السيارات و الحجاب. (ج ر رقم 03 المؤرخة في 20 يناير 2008) لنكشف الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الجميع، ومَن هو المخطئ الحقيقي الذي تقع عليه المسؤولية الأكبر.

أولاً: الأخطاء القانونية المرتكبة (تشريح الوضع)

تحتوي هذه الحادثة على خروقات قانونية بالجملة ارتكبتها الأطراف الثلاثة:

1. خطأ رئيس المصلحة (تكليف غير قانوني)

  • الخطأ: تكليف الطباخ بمهمة “التسياق” شفهياً.

  • الفصل القانوني: الطباخ موظف ينتمي إلى العمال المهنيين وله “مهام محددة” لا تتضمن أعمال النظافة (التسياق). بالإضافة إلى أن التكليف جاء شفهياً، بينما تنص الأعراف الإدارية أن التكليفات والتعليمات التي تخرج عن نطاق المهام المعتادة يجب أن تكون مكتوبة (أوامر بمصلحة) لتكون لها صبغة إلزامية وشرعية كما أن القانون يمنعه من تكليفه بمهام غير مهامه القانونية.

  • توضيح بخصوص مهام رئيس المطعم أو الطباخ

    ينص المرسوم التنفيذي رقم 08- 05 المؤرخ في 19 يناير 2008 المتضمن القانون الأساسي الخاص بالعمال المهنيين و سائقي السيارات و الحجاب،على أن العامل المهني يمارس المهام المرتبطة بمنصب الشغل الذي وُظف فيه، كما تنص المادة 42 على أن رئيس المطعم أو الطباخ يتولى تنظيم وتنسيق نشاط المطعم، تحديد تشكيلة الوجبات والكميات اللازمة من المواد الغذائية، والسهر على حسن سير المطعم وجودة الوجبات.

    ومن أهم مسؤولياته:
    ✅ تنظيم عمل عمال المطعم ومساعديه.
    ✅ إعداد قائمة الوجبات الأسبوعية والإمضاء عليها مع المدير والطبيب.
    ✅ تحديد الكميات الضرورية من المواد الغذائية حسب عدد المستفيدين.
    ✅ مراقبة جودة المواد الغذائية ورفض استلام السلع التالفة أو منتهية الصلاحية حفاظاً على صحة المستفيدين.

    وفي المقابل:
    ❌ لا يختص بالإمضاء على محاضر إتلاف السلع، لأن مسؤولية السلع المخزنة تقع أساساً على المخزني.
    ❌ لا تمتد مهامه خارج إطار تسيير المطعم والمهام المحددة قانوناً.

    وبالتالي كان بامكان عمي رابح المطالبة بأمر كتابي و رفع التظلم الى المدير كتابيا استنادا الى القانون المذكور والاحتفاظ بالنسخة الموقعة بالاستلام وفي حالة عدم النظر في أمره اللجوء الى السلطة الاعلى.

2. خطأ المدير (التعسف واستغلال السلطة)

  • الخطأ: رمي تقرير الموظف في السلة، والتهديد بالعزل المباشر بسبب إهمال المنصب.

  • الفصل القانوني: المدير وقع في تعسف واضح؛ فالعزل بسبب إهمال المنصب له إجراءات قانونية صارمة جداً (المادة 184 وما بعدها)، حيث لا يمكن عزل موظف مرسم إلا بعد توجيه إعذارين رسمييين (بينهما مدة زمنية قانونية) يُرسلان إلى مقره عبر البريد المضمون، وفي حال عدم التحاقه بعد الإعذار الثاني يتم عزله. التهديد بالعزل الفوري في نفس اللحظة هو إجراء باطل قانوناً، كما أن القانون يضمن للطباخ معاملة حسنة ورمي الاوراق بتلك الطريقة تقليل من احترام الطباخ واذا تم اثبات ذلك من طرف الطباخ فان المدير يحاسب قانونا على تصرفه.

  • المادة 184 : إذا تغيب الموظف لمدة خمسة عشر (15) يوما متتالية على الأقل، دون مبرر مقبول، تتخذ السلطة التي لها صلاحيات التعيين إجراء العزل بسبب إهمال المنصب، بعد الإعذار، وفق كيفيات تحدد عن طريق التنظيم.

3. خطأ الموظف “عمي رابح” (رد الفعل العاطفي)

  • الخطأ: خبط الطاولة، الصراخ في وجه المدير، وترك العمل ومغادرة المؤسسة.

  • الفصل القانوني: مهما كان الموظف مظلوماً، فإن  قانون الوظيفة العمومية تلزمه باحترام السلطة السلمية، وترك العمل في نفس اللحظة دون إذن يُعتبر غياباً غير مبرر يضعه في موقف ضعف ويحرمه من حقه في الاحتجاج القانوني السليم.

ثانياً: مَن هو المخطئ الحقيقي الذي تقع عليه المسؤولية الأكبر؟

من الناحية القانونية الصرفة، الجميع أخطأ، لكن المخطئ الأكبر والذي تسبب في إفساد حقه بيده هو الموظف (عمي رابح).

لماذا؟ لأن القانون الإداري الجزائري يقوم على قاعدة ذهبية مستوحاة من قانون الوظيفة العمومية: “الالتزام بالمهام أولاً ثم التظلم ثانياً”. كان يجدر بعمي رابح أن يرفض المهمة شفهياً ويطالب بأمر مكتوب، أو يقوم بالتظلم لدى المفتشية العامة أو مديرية التربية/الصحة (حسب القطاع)، بدلاً من الانجرار وراء الغضب وارتكاب خطأ إداري جسيم (إهانة المدير وترك المنصب)، وهو ما يعطي المدير الآن السند القانوني لمتابعته.

ثالثاً: كيف كان يجب على “عمي رابح” التصرف قانونياً؟

لو اتبع عمي رابح الخطوات الإدارية الصحيحة لانتصر في هذه القضية بسهولة:

  1. المطالبة بأمر مكتوب: عند تكليفه بالتسياق، يطلب رسالة مصلحة مكتوبة وموقعة.

  2. إيداع تظلم رسمي: إرسال تقرير للمدير (مع أخذ نسخة تحمل ختم الاستلام “Accusé de réception”) يوضح فيه عدم مطابقة المهمة لرتبته كطباخ.

  3. البقاء في المنصب: مواصلة مهامه الأساسية (الطبخ) وعدم مغادرة المؤسسة حتى لا يُتّهم بإهمال المنصب أو عرقلة سير المرفق العام.

لمشاهدة القصة بالفيديو:

شاركنا رأيك في التعليقات: بعد قراءتك للتحليل القانوني، هل كنت تتوقع هذه النتيجة؟ وهل ترى أن القوانين الإدارية الحالية تحمي الموظف بالشكل الكافي في مثل هذه المواقف اليومية؟

زر الذهاب إلى الأعلى